الأبشيهي

521

المستطرف في كل فن مستظرف

ويعقوب ويونس وأيوب صلوات الله عليهم وقال قتادة : هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام . ويقال : ما الذي صبروا عليه حتى سماهم الله تعالى أولي العزم فأقول : ذكر ما صبروا عليه . أما نوح عليه الصلاة والسلام : فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان نوح عليه الصلاة والسلام يضرب ثم يلف في لبد ويلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يعود ويخرج إلى قومه ويدعوهم إلى الله تعالى ولما أيس منهم ومن إيمانهم جاءه رجل كبير يتوكأ على عصاه ومعه ابنه فقال لابنه : يا بني انظر إلى هذا الشيخ واعرفه ولا يغرك فقال له ابنه : يا أبت مكني من العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحاً عليه الصلاة والسلام شج بها رأسه وسال الدم على وجهه فقال : رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يكن لك فيهم حاجه فاهدهم وإلا فصبرني إلى أن تحكم فأوحى الله تعالى إليه : " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون وأصنع الفلك " " هود : 36 ، 37 " . قال : يا رب وما الفاك قال : بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي وأغرق أهل معصيتي قال : يا رب وأين الماء قال : أنا على كل شيء قدير قال : يا رب وأين الخشب قال : اغرس الخشب فغرس الساج عشرين سنة . وكف عن دعائهم وكفوا عن ضربه إلا أنهم كانوا يستهزئون به فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها وقال : يا رب كيف أتخذ هذا البيت قال : اجعله على ثلاث صور وبعث الله له جبريل فعلمه وأوحى الله تعالى إليه أن عجل بعمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني فلما فرغت السفينة جاء أمر الله سبحانه وتعالى بانتصار نوح ونجاته وإهلاك قومه وعذابهم إلا من آمن معه . وفار التنور وظهر الماء على وجه الأرض وقذفت السماء بأمطار كأفواه القرب حتى عظم الماء وصارت أمواجه كالجبال وعلا فوق أعلى جبل في الأرض أربعين ذراعاً وانتقم الله سبحانه وتعالى من الكافرين ونصر نبيه نوحاً عليه الصلاة والسلام . وفي تمام قصته وحديث السفينة كلام مبسوط لأهل التفسير ليس هذا موضع شرحه وبسطه فهذا زبدة صبر نوح عليه الصلاة والسلام وانتصاره على قومه . وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام : فإنه لما كسر أصنام قومه التي كانوا يعبدونها لم يروا لا قتله ونصرة آلهتهم أبلغ من إحراقه فأخذوه وحبسوه ببيت ثم بنوا حائزاً كالحوش طول جداره ستون ذراعاً في سفح جبل عال ونادى مناد ملكهم أن احتطبوا لإحراق إبراهيم ومن تخلف عن الاحتطاب أحرقه فلم يتخلف منهم أحد وفعلوا ذلك أربعين يوماً ليلا ونهاراً حتى كاد الحطب يساوي رؤوس الجبال وسدوا أبواب ذلك الحائز وقذفوا فيه النار فارتفع لهبها حتى كان الطائر يمر بها فيحترق من شدة لهبها ثم بنوا بنياناً شامخاً وبنوا فوقه منجنيقاً ثم رفعوا إبراهيم على رأس البنيان فرفع إبراهيم عليه الصلاة والسلام طرفه إلى السماء ودعا الله تعالى وقال : " حسبي الله ونعم الوكيل " . وقيل : كان عمره يومئذ ستة وعشرين سنة فنزل إليه جبريل عليه الصلاة والسلام وقال يا إبراهيم : ألك حاجة . قال : أما إليك فلا فقال جبريل : سل ربك فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . فقال الله تعالى : " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " " الأنبياء : 69 " . فلما قذفوه فيها نزل معه جبريل عليه الصلاة والسلام فجلس به على الأرض وأخرج الله له ماء عذباً . قال كعب : ما أحرقت النار غير أكتافه وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام وقيل : أكثر من